الشنقيطي
72
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
بِالنَّهارِ ( 10 ) [ 10 ] . بين تعالى في هذه الآية الكريمة : أن السر والجهر عنده سواء ، وأن الاختفاء والظهور عنده أيضا سواء : لأنه يسمع السر كما يسمع الجهر ، ويعلم الخفي كما يعلم الظاهر ، وقد أوضح هذا المعنى في آيات أخر كقوله : وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ( 13 ) أَ لا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ( 14 ) [ الملك : 13 - 14 ] وقوله : وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى ( 7 ) [ طه : 7 ] وقوله : أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ( 5 ) [ هود : 5 ] وقوله : وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ [ ق : 16 ] الآية - إلى غير ذلك من الآيات . وأظهر القولين في المستخفي بالليل والسارب بالنهار : أن المستخفي هو المختفي المستتر عن الأعين ، والسارب هو الظاهر البارز الذاهب حيث يشاء . ومنه قول الأخنس بن شهاب التغلبي : وكل أناس قاربوا قيد فحلهم * ونحن خلعنا قيده فهو سارب أي ذاهب حيث يشاء ظاهر غير خاف . وقول قيس بن الخطيم : أنى سربت وكنت غير سروب * وتقرب الأحلام غير قريب وقيل السارب : الداخل في السرب ليتوار فيه ، والمستخفي الظاهر من خفاه يخفيه : إذا أظهره . ومنه قول امرء القيس : خفاهن من أنفاقهن كأنما * خفاهن ودق من عشى مجلب قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذا أَرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ وَما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ ( 11 ) [ 11 ] . بين تعالى في هذه الآية الكريمة : أنه لا يغير ما بقوم من النعمة والعافية حتى يغيروا ما بأنفسهم من طاعة اللّه جل وعلا . والمعنى : أنه لا يسلب قوما نعمة أنعمها عليهم حتى يغيروا ما كانوا عليه من الطاعة والعمل الصالح ، وبين هذا المعنى في مواضع أخر كقوله : ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ [ الأنفال : 53 ] الآية . وقوله : وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ ( 30 ) [ الشور : 30 ] . وقد بين في هذه الآية أيضا : أنه إذا أراد قوما بسوء فلا مرد له ، وبين ذلك أيضا في مواضع أخر كقوله : وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ ( 147 ) [ الأعراف : 147 ] ونحوها من